جلال الطالباني..الرجل الذي عاد بعد غياب ليجد مكانه خالياً
ماجد الحاتمي –
لا ادري ما هي طبيعة الكاريزما التي يتحلى بها بعض الرجال الذين يمّن الله بهم على بعض الشعوب ، ليكونوا في لحظة تاريخية حرجة ، بمثابة الربان الذي يقود سفينة هذه الشعوب وسط بحر هائج بامواج الفتن والمصاعب الى بر الامان ، فهذه الكاريزما تجعل من صاحبها مغناطيس يجذب الاخرين اليه دون عناد او توتر رغم ما بينهم من نفور ، فتراهم يقفون في وسط الطريق ويرضون بالحلول الوسطى ، دون ان يشعر اي منهم انه خاسر.
لا اعتقد ان هناك شخصية سياسية عراقية ، لم تستشعر حجم الفراغ الذي تركه جلال الطالباني عندما تعرض لجلطة دماغية في شهر كانون الاول / ديسمبر عام 2012 ، فالرجل وبشهادة جميع عقلاء العراق كان بمثابة الجسر الذي يربط بين جميع نخب مكونات الشعب العراقي ، فكان بمثابة صمام الامان الذي احال ، وفي اكثر من ازمة ، دون وصول العلاقة بين هذه المكونات الى القطيعة الكاملة.
لسنا هنا في وارد تقديس احد او اضفاء العصمة على أحد ، فالرئيس العراقي جلال الطالباني شأنه شأن باقي الشخصيات السياسية العراقية ، يمكن وبكل بساطة توجيه النقد الى بعض ادائه ومواقفه السياسية ، فالرجل سياسي بالدرجة الاولى وليس هناك سياسي لا يخطا ، لكن استطيع ان اقول ان الطالباني هو من بين السياسيين العراقيين القلائل الاقل خطأ، والاكثر تحملا للاخر ، والاقدر على هضم المواقف المتعارضة ، والابعد عن التعصب الاعمى ، والاقرب الى التسامح والصفح.
يمكن تلمس اهمية دور الطالباني ، خلال فترة غيابه التي قاربت نحو عامين ، بعد ان تقوقعت اغلب النخب السياسية ، التي تمثل مكونات الشعب العراقي ، على نفسها ، فاصبحت وكأنها تعيش في جزر متباعدة لا تربطها اي رابط او وشيجة ، ولم يعد يسمع اي صوت للاعتدال او الوسطية ، فكان صوت التخوين والتسقيط ، هو الصوت الاعلى ، ولم تعد هناك لغة موحدة يمكن ان يتفاهم العراقيون بها فيما بينهم ، وانتقلت هذه المشاعر العدائية الى وسائل الاعلام التابعة لكل مكون ، وما اكثرها ، فاخذت هذه الوسائل الاعلامية تتحدث بلغة عنصرية وشوفينية وطائفية مقيته ومقززة ، دون ادنى شعور بالمسؤولية الوطنية والاخلاقية والدينية ازاء العراق وشعبه ، وكأن الجميع عقدوا العزم على سكب المزيد من الزيت على النار المشتعلة ، فأخذت وللاسف الشديد ، ترتفع جدران من الشك وعدم الثقة بين ابناء الشعب العراقي الواحد ، بعد ان كانت هذه الحالة محصورة بين النخب السياسية.
اليوم يعود مام جلال الى العراق ليجد مكانه خاليا ، فلم يستطع احد من بين النخبة السياسية العراقية ان يملاءه ، وليجد وطنه على حافة التقسيم ، والتكفيريين على ابواب بغداد ، والبعثيين اخذوا يطلون برؤوسهم ، والقوى السياسية متصارعة لا تتفق على شيء ، ولم يقف امام انهيار العراق وسقوطه في مهاوى المجهول سوى رجل رباني فوق القوميات والطوائف وفوق السياسة والسياسيين وفوق الميول والاتجاهات ، قال كلمة واحدة قلب بها الطاولة التي وضعت عليها كل مخططات تدمير العراق ، على رؤوس اصحابها ، الا وهو سماحة اية الله العظمى السيد علي السيستاني حفظه الله للعراق والعراقيين ، ومنح العراقيين جميعا وفي مقدمتهم القوى السياسية بشتى توجهاتها وانتماءاتها ، فرصة اخرى لاعادة حساباتهم وان يضعوا مصلحة العراق فوق كل المصالح الاخرى ، وان يفكروا بحجم المؤامرة الكبرى التي تحاك لهم ولبلدهم قبل فوات الاوان.
هل سيعود الطالباني الى العراق سليما معافا كما كان في السابق ، ليتنقل بين الكتل والاحزاب والشخصيات السياسية المتناحرة وهو يبتسم رغم ان الجميع غاضب ، محاولا التقريب بينها ؟ ، ام ان المرض انتصر على المحارب القديم والدبلوماسي المحنك والرجل المثقف والانسان المتواضع والعراقي الوطني ؟ ، نتمنى ان يكون المحارب العنيد قد انتصر على المرض ، فالعراقيون احوج ما يكونون اليه ، فهم بحاجة الى رجل يتكلم بلغة مؤدبة مهذبة تحترم الجميع.